ابن كثير

87

البداية والنهاية

يعمروا ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعا . ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعا ، وللأزقة سبعة أذرع ، وبنى لسعد قصر قريب من السوق ، فكانت غوغاء الناس تمنع سعدا من الحديث ، فكان يغلق بابه ويقول : سكن الصويت فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث محمد بن مسلمة ، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده ويجمع حطبا ويحرق باب القصر ثم يرجع من فوره . فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر ، وأمر سعدا أن لا يغلق بابه عن الناس ، ولا يجعل على بابه أحدا يمنع الناس عنه ، فامتثل ذلك سعد وعرض على محمد بن مسلمة شيئا من المال فامتنع من قبوله ، ورجع إلى المدينة ، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصف ، حتى عزله عنها عمر ، من غير عجز ولا خيانة . أبو عبيدة وحصر الروم له بحمص وقدم عمر إلى الشام وذلك أن جمعا من الروم عزموا على حصار أبي عبيدة بحمص ، واستجاشوا بأهل الجزيرة . وخلق ممن هنالك ، وقصدوا أبا عبيدة ، فبعث أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه من قنسرين ، وكتب إلى عمر بذلك ، واستشار أبو عبيدة المسلمين في أن يناجز الروم أو يتحصن بالبلد حتى يجئ أمر عمر ؟ فكلهم أشار بالتحصن ، إلا خالدا فإنه أشار بمناجزتهم ، فعصاه وأطاعهم . وتحصن بحمص وأحاط به الروم ، وكل بلد من بلدان الشام مشغول أهله عنه بأمرهم ، ولو تركوا ما هم فيه وأقبلوا إلى حمص لانخرم النظام في الشام كله . وكتب عمر إلى سعد أن يندب الناس مع القعقاع بن عمرو ، ويسيرهم إلى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب ، نجدة لأبي عبيدة فإنه محصور ، وكتب إليه أن يجهز جيشا إلى أهل الجزيرة الذين مالأوا الروم على حصار أبي عبيدة ويكون أمير الجيش إلى الجزيرة ( 1 ) عياض بن غنم . فخرج الجيشان معا من الكوفة ، القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص لنجدة أبي عبيدة ، وخرج عمر بنفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة ، فبلغ الجابية وقيل إنما بلغ سرع . قاله ابن إسحاق ، وهو أشبه والله أعلم . فلما بلغ أهل الجزيرة الذين مع الروم على حمص أن الجيش قد طرق بلادهم ، انشمروا إلى بلادهم ، وفارقوا الروم ، وسمعت الروم بقدوم أمير المؤمنين عمر لينصر نائبه عليهم فضعف جانبهم جدا . وأشار خالد على أبي عبيدة بأن يبرز إليهم ليقاتلهم ، ففعل ذلك أبو عبيدة ، ففتح الله عليه ونصره ، وهزمت الروم هزيمة فظيعة . وذلك قبل ورود عمر عليهم ، وقبل وصول الامداد إليهم بثلاث ليال . فكتب أبو عبيدة إلى عمر وهو بالجابية يخبره بالفتح وأن المدد وصل إليهم بعد ثلاث ليال وسأله هل يدخلهم في القسم معهم مما أفاء الله عليهم ؟ فجاء الجواب بأن يدخلهم معهم في الغنيمة ، فإن العدو إنما ضعف وإنما انشمر عنه المدد من خوفهم منهم ، فأشركهم أبو عبيدة في الغنيمة . وقال عمر : جزى

--> ( 1 ) سهيل بن عدي إلى الرقة ، وعبد الله بن عتبان إلى نصيبين ، والوليد بن عقبة إلى عرب الجزيرة من تنوخ وربيعة ، وأمير الفرق جميعا عياض . ( الطبري - الكامل ) .